رحم الله امرؤ أهدى إلينا عيوبنا


 

 

مسيرة قلمي ،،،

كتبهافايز سالم النشوان ، في 4 يونيو 2008 الساعة: 06:11 ص

     منذ بدأت الكتابة من سنين وأنا أكتب نقدا ورأيا في مسائل تخصنا نحن أهل الكويت في مجالات عدة أتلمسها لأنني مجرد إنسان بسيط يخاف على نفسه ووطنه وأبناء جلدته أولئك الذين ليس لهم في البنوك ملايين ولا يعيشون في فلل كبيرة ولا هم لهم الا العيش بسلام ، فمرة كنت في كتاباتي أصيب ومرات كنت أخطأ وهذا حال البشر يجتهد في الحق ويبحث عن ضالته وكان رأيي ولازال وسيبقى بإذن الله لا يعبر عن أحد سواي فلم أكن في يوم أجيرا عند فلان أو محسوبا لعلاّن ، أحلت للمحاكم وزرت المخافر وجررت إلى أمن الدولة وسهرت الليالي أنتظر الفرج ومرّت علي أيام مرّه صعبة لم أذق فيها لا النوم ولا الراحة ، كل ذلك بسبب قلمي وجرأتي في الكتابة التي ضايقت من أنتقد وهم بلا شك أصحاب شأن وسلطة ويروني شوكة لابد من كسرها قبل أن تكبر وتقوى ….

     اتهمني الكثير بالمتسلق ومنهم من اتهمني بالمثير للشغب من أجل الشهرة ومنهم من كان يرى فيني مجرد رجل طامع وراء منصب ما أو جاه قد يأتيه بعد أن يعلوا صوته ويقوى أسلوبه ومنهم من رأى بأنني أبحث عن راع لي حتى يتبنى قلمي فأكون له الوفي الأمين ، وكان عزائي في خضم كل هذه التهم بأنني فقط أكتب ولا ألتفت لرأي يمس شخصيتي أبدا غير إني كنت أمتثل لمن أرى فيه كلامه نقدا لي ككاتب وباحث فآخذ به أحيانا وأتفكر بالباقي لعلي أجد من هذا النقد شيئا يفيدني في مسيرة حياتي ككاتب ومواطن …. 

     استهجن خصومي نزولي للانتخابات والكثير ممن توقعت منهم الوقوف معي ابتعدوا عني ولكني آثرت أن أكمل المسيرة التي لن تقف بسبب موقف شخص مهما كان هذا الشخص ، صحت في الندوات و ناديت في الحملات أحذر من الوضع المنحرف التي تعيشه الكويت من تخبط حكومي وجهالة في مجلس الأمة وكبرياء عند القادة فصارت الكويت بين شيخ وفداوي وبين تاجر ومتسلّق تائهة لا يعرف فيها أين المسير وأين تكون الوجهة …. 

     من عشرات السنين وهم ينادون بخطط حكومية ولا أعرف متى ستكون هذه الخطة المزعومة ، فكل حديث لوزير أو مسئول إلا ويتحدث عن خطة حكومية منذ سنين وسنين ولا نعرف ما هي الخطة أو متى تبدأ وكيف ستنفذ والى أين ستنتهي ، فالبلد ضائع والأمة تصيح يا ناس أنجدونا من هؤلاء ولا حياة لمن تنادي ….

     تحدثت للناس في كل مكان إن العيب فيهم وبتخاذلهم وبعدم وعيهم السياسي الذي جعل من حفنة من البشر ليس لهم أي برنامج أو رؤية واضحة تسيطر على البلاد والعباد وفي مقدرات هذه الأمة وإنهم هم المسئولون عما سيكون عليه الأمر بعد سنين قريبة حين يضرب وبقوة على طبال الخطر ونعلم بأن الكويت شارف نفطها على الانتهاء وما هي إلا سنين معدودة ليكون حالنا حال أكثر الدول فقرا ….

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

18 تعليق على “مسيرة قلمي ،،،”

  1. اخي فايز

    ان سكت قالوا عنك سلبي ولا تخدم البلد

    وان تكلمت قالوا عنك تبحث عن مطامع

    فلو خيروك أي تهم أهون عليك

    اختر الكلام والدفاع عن الكويت واهلها فهم بحاجة لك ولكتاباتك

    فالكل يعلم بأنك وطني ونظيف ولا تتكلم إلا عن مشاكل للصالح العام

    فلا يغرك ما يقال

    وايضا عن موضوع الخطط الوزارية فنحن ننتظر يوم ان نرى مخطط لوزير يريد ان يطرحه او يقدمه لسنه او سنتين من التنمية والإصلاح

    ولكن سنحلم بهذا اليوم طويلا بوجود تأزيم بين السلطتين

    محمد

  2. ربما تكون التهمة التي يرونها عليك…….

    انك كويتي وتحب الكويت .. وتموت في ترابها

    والله أعلم

  3. مادام انك ناجح فمن الطبيعي ان يهاجمك المنافسين

  4. متى اجتمع الناس على رأي واحد او شخص واحد ؟؟؟هذا لن يحصل ابدا ….ولا حتى نصفهم ولا اقل هذي طبيعة الدنيا والناس ماتراه صحيحا قد لايراه غيرك كذلك ..كل منا ينظر للامور من زاويته ..ماأراه كذبا وبهتانا قد يراه الأخر مجاملات او ضروره اجتماعيه وقس على ذلك …

    لكن الأهم قوة ايمانك بما تحمل وبما تريد ومجهودك اللذي لابد ان يعود عليك بشيء مما تريد .

    الله يوفقك

    تقبل مروري

  5. فالك الكرسي الأخضر :)
    صح السانك والله يوفقك

  6. السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة .. اخوي فايز هذه السياسة في عوار راس ولكن هدفها سامي ,, تلقي من يتوافق معاك وتلقي من يتعارض معاك وبشده ,, ولكن بنهاية الهدف خدمة الكويت , ومن هنا يتحمل المتلقي هذه الصعاب ليخدم وطنة , مانديلا سجن تقريبا” 23 سنة وعندما خرج واصبح حاكم عين من سجنة نائب لة ولدليل علي فعلتة ليخدم وطنة , والله ويكون بعونك وموفق خير يا فايز

  7. المخلصون دائما معرضون للتهم خاصة من لا يسكت عن إظهار الحق
    و لكن .. عليك يا أخي أن لا تهدأ و لا تنثني و امض حيث أخلصت فيه الحديث عن هموم الناس حبا للوطن الذي يكاد يضيع بين متاهات الطمع و السرقة

  8. الاسناذ فايز سالم النشوان

    اولا تحية طيبة

    وهذه زيارتي الاولى وارجو من الله ان تدوم

    اتفق مع الجميع هذه حال المبدع الصادق

    دمت بود واجعلنا بتواصل

  9. م.خالد لظفيري قال:

    اخي العزيز فايز
    في البدايه اتمنى العذر و السموحه منك على هذي الغيبه لاني كنت مشغول شوي
    اخي العزيز
    نعم هناك ايادي خفيه في الكويت تريد ان تجعل الكويت مجرد عين عذاري تسقي البعيد و تنسى القريب
    نعم هناك ايادي تمنع و تحاول وأد اي فكره لجعل الكويت مركز مالي و تجاري في منطقه الخليج العربي
    نعم هناك من يحاول ان يضرب اقتصاد الكويت بالقروض الاستهلاكيه هناك غلاء ليس للسلع الكماليه بل في السلع الضروريه هناك زياده في اسعار الخدمات
    اذا كنت توافقني الرأي بكل الذي قلته فمرحبا بك في كويت 2008

    تحياتي اخوك
    خالد الظفيري

  10. مسيرة قلم..يستحق الإحتفاء به

    لديك قلم ينزف حباً لهذه الأرض

    لا ذنب له إن وجد في زمن ندرت به الأصوات الشريفه

    في زمن الأبواق ..عزاءك أن قلمك لم يكن بوقاً لأحدهم وهذا يكفي

    إستمر ..فحتماً ستنتصر حروفك ذات يوم

    أختك/مها الظفيري

  11. السلام عليكم

    بارك الله فيك اخى العزيز

    والى الامام فى خدمة الكويت واهلها

    ونتمنى لك التقدم والنجاح

    ابلة

  12. دائما المخلصون في البلدان الطغيانية في كفاح

    وانا أرى ان مهمة الكاتب (المخلص) من اصعب المهن لأنها أمرا بالمعروف ونهي عن منكر وتتطلب ثقافة عالية ومسؤولية

    تحياتي

    تفضل بالزيارة

  13. محمود درويش في ذمة الله

  14. محنتي مع القرآن ومع الله في القرآن ( 2 )

    قبل البدء أود الإشارة إلى أن نسخة الكتاب التي أمتلكها هي نسخة تجريبية بتنسيق PDF، لا يمكن إرسالها بالبريد، وتخيلوا أن حصارها قد امتد ثلاث سنوات ونيّف، لذا فقد صممت على إعادة طباعة النسخة بالكامل رغم الجهد الكبير الذي يستغرق ذلك العمل وذلك وفاء منّي للعلم والفكر، وكذلك لقرّاء الحوار المتمدن وكاتباته وكتّابه الأعزّاء.

    في هذا الجزء، يواصل أ.د. عباس عبد النور رحلة حياته من الإيمان العميق والتصوف الصادق المخلص الذي امتد معظم عمره واتى على زهرة شبابه، حتى تحين ساعة الامتحان حيث يكرم المرء أويهان، فيصاب بخيبة أمل فتراه يقول: ((ترى هل تخلى الله عني في أحلك ساعاتي ؟ لقد بذلت الكثير لقمع هذه الشكوك ابتغاء مرضاة الله، فما له سبحانه يخزيني ؟ ومع أني بدأت أفقد الأمل، ألقيت بنفسي بين يديه، وتوجهت إليه بهذا الدعاء الذي كنت اخشى أن يكون الأخير: ” أللهمّ ! أدركني أللهمّ ! لا أطيق فراقك. أللهمّ أخاف الانزلاق الذي لا ترضاه لي ولا أرضاه لنفسي. أللهمّ أنا على شفا جرفٍ هار، أللهمّ أنا على شفا حفرة من نار، فأنقذني منها يا عزيز يا جبار )) .. ثم يصحو مارد العقل العلمي في وجدانه وضميره، فينتفض قائلاً: ((ويح سخفي وغبائي ! يا لبلاهتي ! ترى كم كنت ساذجاً عندما سمحت للأساطير أن تأكل عمري وزهرة شبابي ! يا حسرتي على عمر قضيته مع حبيب لا يحفل بي، ولم يشعر يوماً بوجودي. تباً لي وتعساً ! كيف لم أكتشف ذلك وأرجع إلى رشدي إلاّ وأنا على أبواب أرذل العمر ! ماذا دهاني ؟! ماذا تبقى لي من العمر لأشعر بمتعة وجودي ؟! ليتني لم أعرف ذلك ! ويلٌ لمن عرف الحقيقة ! طوبى للبله فإن لهم ملكوت السموات !! )) .. لنتابع الفصل الأول كاملاً غير منقوص !

    تمنياتي

    زهير

    =========================

    الفصل الأول

    رحلتي من الإيمان إلى الشك

    أنا على كرسي الاعتراف، ومن جلس على هذا الكرسي، فليذكر ما له وما عليه، وقد التزمت بذلك حرفياً في هذا الكتاب. وفي هذا الفصل الذي أعلنت فيه رحلتي ” من الإيمان إلى الشك “، وذلك رداً على كتاب تهريجي موضوع للعامة ظنّ فيه صاحبه ( مصطفى محمود ) أنه بلغ فيه غاية المنى، فألقم به جميع الشكاكين والمتشككين من الخاصة، لا حجراً واحداً، بل كل أحجار الدنيا والعالمين، وأعني بذلك كتاب ” رحلتي من الشك إلى الإيمان “. فليهنأ بهذه الرحلة التي وضع بها الأمور في نصابها وأعاد الحقوق إلى أهلها !

    من واجبي وقبل كل شيء، أن أنبه القارئ إلى نشأتي وقاع تفكيري منذ راهقت البلوغ – بل قبل ذلك بزمان – حتى أناف السنّ على الثمانين، لأشركه في حيرتي ومعاناتي واضطرام نفسي.

    فقد نشأت نشأة المسلم المتحمس، وترعرعت في أعطاف الدين والهدى، وكان طموحي، بل أكبر أحلامي – التبشير بالإسلام في بلاد الهند، ولا أدري وأنا أفكر الآن في ذلك، لم اخترت الهند دون غيرها للحنيفية البيضاء ! فأنا غارقٌ في الدين من مفرق رأسي إلى أخمص قدمي، فكنت منقطعاً للصلاة والعبادة، وحضور حلقات الذكر، وكنت لا أغادر مجلس علمٍ أو وعظٍ في أحد المساجد، إلا لأحضر مجلساً آخر، لأجمع العلم من أطرافه، والدين من مظانّه، وأكون القدوة والأسوة والمثل.

    بل لقد ابتليت بعد وفاة والدي بأن انضم إلى هيئة علماء المدينة، حفاظاً على العلم ” الشريف ” الذي ورثته كابر عن كابر، وإشفاقاً عليه من أن يندثر في أسرتي التي ظلّت راعية له طوال خمسة قرون على الأقل. وقد قمت بنصيبي الكامل في الوعظ والإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا سيما أيام الجمعة، وسائر المواسم الدينية المعروفة، بل في بعض المناسبات غير الدينية أيضاً.

    وبيّ انتهى السلف ” الصالح ” في الأسرة، فأنا آخر العنقود من خدّام العلم ” الشريف “، والثمرة الأخيرة من الدوحة التي طالما أمدّت دمنهور بالعلماء والفقهاء والخطباء والقضاة والأئمة والمؤلفين في الأوراد والأذكار وعلوم الدين المختلفة. ولا يبدو أن أحداً من أسرتي اليوم يتطلع إلى وصل ما انقطع بي، فقد أصبح الدين بضاعة كاسدة في هذه الأيام والعياذ بالله تعالى !

    وثالثة الأثافي التحاقي بالأزهر ” الأنور “، وتلقي العلم ” الشريف ” فيه، وكم طاردوني هناك وألحّوا عليّ بوجوب وضع العمامة ولبس القفطان ! ولكن الله سلّم، فحسبي ما عانيت منهما، تزينهما لحية كثّة ووجه مهيب، ولا زلت أحتفظ بذكريات ” طيبة ” لشيوخي وزملائي القدامى من ” الزهر الأزاهير ” رضوان الله عليهم ونفّعنا ببركاتهم، فهم الذخر والذخيرة والمؤنة والخميرة !

    والحق، لقد أصبت بخيبة أمل عندما دخلت الأزهر، ولذلك غادرته في السنة الثالثة، أي قبل التخرج بعام واحد، وأنا غير آسف، وقد نصحني الكثيرون حينئذٍ بأن أكمل دراستي الدرامية المشؤومة لنيل شهادة المماحكات الفارغة والتلاعب بالألفاظ والمعاني، وكان يمكنني بهذه الشهادة دخول السنة الثانية بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول، وكان ذلك في أوائل الأربعينات على عهد الشيخ المراغي.

    لقد ضقت ذرعاً بدراستهم حتى لم أعد أحتمل المزيد. لقد أضعت ثلاثة أعوام من عمري ذهبت هدراً، فلماذا أضيف عاماً رابعاً، لا لشيء إلا للحصول على ورقة أنيقة الطباعة زاهية الألوان، جميلة المظهر، تافهة المخبر، عديمة الجوهر، هزيلة المحتوى، تذكرني في كل لحظة بالأيام الضائعة والأوقات الفارغة والآمال الخائبة والمعاناة القاتلة.

    وكان طلاقٌ بالثلاث وكان فراق. هذا مع إني كنت ملتحقاً بأرقى كلية من كليات الأزهر آنذاك وأقربها إلى نفسي، وهي كلية أصول الدين بشبرا .. ولكن الأزهر هو الأزهر !

    أولاً: مرحلة الإيمان

    في وجهي سيماء تدلّ عليّ لا يخطئها البصر. هي أول ما يبدو مني ويبرز من ملامحي. تلك التي أشار لها القرآن الكريم: ” سيماهم في وجوههم من أثر السجود ” ( 48/29 ). إنها تلخّص دهراً من الصلاة والتهجّد والدموع والخشوع والعبادة والتوبة والاستغفار والمجاهدة ومحاسبة النفس.

    لقد كانت الصلاة قرّة عيني وغاية مهجتي. فيها جلاء قلبي وصفاء روحي وسكينة نفسي. لقد كان قلبي معلقاً بالله لا يغفو عنه طرفة عين ولا يطيق فراقه، وكان مهيئاً دائماً لاستقبال فيضه النوراني.

    وبالفعل، فقد كانت تحملني ريح التصوف إلى ذراه العالية، أستشرف منها عالم الملكوت، أويقات أغتصبها من بطن الزمن، يكتنفني فيها إحساسٌ غامر لا يصفه بيان، وينعقد دونه اللسان وتتمرد فيه الكلمات على الشفاه ولا تدخل في طاعة السطور !

    ولا غرو، فلربما كان من شأن ذلك الجمال الروحي الخالص، أن يورثني عقلة في اللسان يقف أمامها نطس الأطباء مكتوفي الأيدي، بل هذا ما هو حاصل بالفعل، فهناك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. إن كثيراً من الأمور التي تخطر على قلوب البشر يتعذر وصفها، فكيف بأمر لا سبيل على خطوره على القلب، ولا هو من عالمه ولا من طوره !

    وزيدة القول، إن تلك الحالات التي كانت تتجلّى لي في لحظات الإشراق هي مما لم يقم ببال أحد، فمن رام التعبير عنها فقد رام مستحيلاً !

    إن ذلك كله كان يستغرق مني لحظات قليلة لا ألبث بعدها أن تعود إليّ حواسي، فأصحو من حالي تلك التي تكون في العادة شبيهة بالغشي، وهكذا تزل قدمي عن ذلك المقام، ويلوح لي العالم المحسوس كأنه مرآةٌ صدئة قد ران عليها الخبث. لقد اخترق قلبي هذا الجمال الإلهي الذي كنت أشاهده وأعادني إلى الفطرة التي خلقني الله عليها، وولج بي إلى الطبيعة البكر من خلال أفق مفتوح على عالم التصوف وعالم الروح، بكل ما فيه من خشوع ودموع وتبتل واستغراق القلب بذكر الله وإفراغه من كل ما سواه.

    وهكذا بدأت رحلتي الصوفية، وأقبلت بهمّتي ومبلغ طاقتي على طريق الخيار الصعب، فمن أراد الآخرة وسعى إليها سعيها فليسلك طريق التصوف، فالصوفية كما يقول الغزالي ( المنقذ من الضلال والموصل على ذي العزّة والجلال – ص 103 ) ” همّ السالكين لطريق الله خاصة “. لقد كانت روحي بحب الله سكرى، وبتنسم نفحاته نشوى، وكل غايتي إنما كانت أن يتحقق وجودي في الوصول إلى الله وأن أحظى بلقائه. فلا حق ولا خير ولا جمال كلا، ولا محبوب إلاّ الله، وكل ما عداه سبحانه أثرٌ من آثاره، وعطرٌ من طيب وجوده، وذرّة من خزائن قدرته، ولمعة من أنوار حضرته.

    كنت متيماً بحب الله متحرقاً إلى وصاله، أتلظّى بنار الشوق إليه وأوار العشق لذاته، أراه في كل شيء، وأسمع صوته يناديني في كل مكان ! لم أترك باباً للتقرب إليه إلا طرقته، ولا عملاً يرضى به عني إلّا فعلته، بأقصى ما يتطلب مني ذلك من الخشية والتقوى والإخلاص في العمل بما يليق به سبحانه وتعالى.

    وكنت دائم الذكر له، مقبلاً عليه، متضرعاً إليه، شاكراً لأنعمه الظاهرة والباطنة، وكنت كثير التوبة والاستغفار والبكاء والندم على ما فرّطت في جنب الله. لقد كنت مراقباً له في جميع حركاتي وسكناتي، بل وجمحات قلبي وخلجات نفسي. فهو مطّلع عليّ يعلم سرّي وعلني، فإذا لم أكن أراه فهو يراني ” يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ” ( 40/19 )، وكنت أحمده في السرّاء والضرّاء وحين البأس، وكنت أصبر وأصابر، فإذا أصابتني مصيبة قلت ” إنّا لله وإنّا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربّهم وأولئك هم المهتدون ” ( 2/157 ).

    وكان الليل فرصتي الذهبية للدعاء والبكاء، والذكر والفكر والمناجاة والعبادة، والتوجه إلى الله تضرّعاً وخيفة، ولزجر النفس الأمّارة بالسوء. بل لقد ذهب بي الورع والتشددّ والوسواس إلى حدّ أني لم أكن أسأل الله شيئاً إلاّ بعد محاسبة عسيرة للنفس على ما قدّمت وأخّرت، فقد كنت أستحي أن ألقى الله وعليّ شاهدٌ بذنب.

    وبينما كان الناس يكتفون من الصلاة بالفرائض، وقد تزيد عليها قلّة منهم بعض السنن، فقد كانت كل صلاة تتطلب مني أكثر من ساعة، لما أضيف إليها من أذكار وأوراد وأدعية ونوافل، فكنت أصلي مثلاً صلاة الشكر ( ركعتين )، وصلاة الحفظ من كل سوء ( ركعتين )، وصلاة التوفيق ( ركعتين ).

    وكنت مغرماً بصلاة السّحر قبل صلاة الفجر لأنه وقت استجابة الدعاء، فقد جاء في الحديث الشريف في فضيلة صلاة السّحَر ” إن الله يهبط على سماء الدنيا وقت السّحر فيقول: هل من داعٍ فأجيبه ؟ هل من مستغفرٍ فأغفر له ؟ حتى يطلع الفجر “.

    وكنت لا أسأل أحداً إلاّ الله عملاً بالحديث الشريف ” يا بني إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا عليك ليضرّوك فلن يضرّوك بشي لم يكتبه الله لك. ولو اجتمعوا على أن ينفعوك فلن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك. جفّت الأقلام وطويت الصحف “.

    وكنت لا أقبل على طعام أو شراب أو حركة، ولا أذهب إلى عيادة طبيب أو زيارة صديق، ولا أدخل بيتاً ولا أخرج منه، ولا أقابل مسؤولاً ولا ألقي كلمة أو مداخلة .. إلاّ بعد ذكر اسم الله واستخارته والتوكل عليه وطلب التوفيق منه.

    وكان من عادتي إذا رأيت مريضاً أو ذا عاهة، أحمد الله على سلامتي وأدعو له بالعون والشفاء. وكنت على يقين وثقة تامّة بأن من أحب الله وأخلص له فقد ملك العالم، بل لقد اعترتني لحظات أحسست فيها بحضوري في الله وحضور الله فيّ وأنّي جزءٌ منه وهو جزءٌ مني، فمن أقوى وأعزّ مني في هذا العالم ؟ وذكرت الحديث القدسي الشريف ” ما زال العبد يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته، كنت يده التي يبطش بها، وعينه التي يبصر بها، وسمعه الذي يسمع به “.

    وكنت إذا أقدمت على عمل ونجحت فيه أعزو الفضل في ذلك إلى الله، وإذا فشلت فلا ألوم إلاّ نفسي وأسأله تعالى التوفيق. وكنت في الحالين أحمده وأشكره وأعوذ به من شرّ نفسي وسيئات أعمالي، وفي هذه الحال كنت أتذكر قوله تعالى ” وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شرّ لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ” ( 2/116)، فهو وحده سبحانه علاّم الغيوب. وهكذا تطمئن نفسي بذكر الله ” ألا بذكر الله تطمئن القلوب ” ( 13/28 )، متأسياً في ذلك بالأنبياء والصالحين، وحبيبه المصطفى سيّد المرسلين، وخاتم النبيين، وخير الناس أجمعين.

    ثانياً: مرحلة الامتحان

    والآن جاء الامتحان حيث يكرم المرء أو يهان. هو ذا الامتحان الصعب الذي تنكشف فيه حقيقة الربّ والوعود التي طالما أغدقها علينا الربّ. لقد اقتربت ساعة الحسم، فإما أن أستمر في الرجوع إلى الله والاتكال عليه، وشحذ الهمّة للوصول إليه، وتوزيع أوقاتي على وظائف الخير والعبادة، من تلاوة القرآن ومجالسة أرباب القلوب وإدامة الصيام والقيام وسائر الفروض والعبادات، وإما أن أقطع الحبل بيني وبينه !

    فقد وقعت في أزمات وشدائد، وركبتني ديون وهموم وغموم لا مخرج منها. لقد أقفلت الدنيا في وجهي وانسدّ أمامي كل أفق. فلم أترك باباً إلاّ قرعته، ولا طريقاً إلاّ سلكته، لقد ” أزفت الآزفة ليس لها من دون الله كاشفة ” ( 53 / 57 – 58 )، ثما لما أحسست بعجزي، وسقط بالكلية اختياري، تذكرت قوله تعالى ” أم من يجيب المضطر إذا دعاه ؟ ” ( 27 /62 ). فقلت:

    اللهمّ إنّي ألجأ إليك لجوء المضطر الذي لا حيلة له فأجبني. اللهمّ ارحم ضعفي، وفرّج كربي، ويسّر أمري. اللهم لا تدع لي ذنباً إلاّ غفرته، ولا كرباً إلاّ فرّجته، ولا حاجة إلاّ قضيتها. يا هو ياهو، يا ذا الجود والإحسان، ويا ذا الجلال والإكرام، أنت ظهر اللاجئين، وأمان الجائعين، وغيث المستغيثين، ومجير المستجيرين، ومجيب دعوة المضطرين ! لقد ذهب الناس إلى مضاجعهم وهجعوا في بيوتهم، وخلا كل حبيب بحبيبه، وأنت حبيبي يا أحبّ محبوب. أنت أملي وغاية مطلبي. يا من قلت ووعدك الحق ” ادعوني استجب لكم ” ( 40/60 ). استجب دعائي، فقد جئتك مسبحاً متبتلاً، مقرّاً بعجزي، معترفاً بذنبي. أقف ببابك مستغيثاً مسترحماً، فارحمني يا أرحم الراحمين.

    وهكذا أفرغت كل ما في جعبتي من أدعية وتضرّع واستغاثة – أنا بها خبيرٌ بصير – كفيلة وحدها بتذليل جميع العقبات التي تقف في وجهي، بل بزلزلة الجبال من حولي، فكيف إذا أضفت إليها صدق النيّة وصالح العمل والإخلاص لله وحده ؟

    يا إلهي ! استمع إليّ من قلب الجوع. من قلب الحاجة. من قلب الحرمان. من قلب المعاناة أناديك، لقد تراكمت ديوني وعظمت كثيراً. إلهي ؟ لقد ادخرتك لهذه الساعات السوداء، كيف أقضي هذه الديون ؟ هل أبيع بيتي وهو كل ما أملك ؟ أين عساي أسكن أنا وعائلتي إذن ؟ يا من عندك خزائن السموات والأرض ” ولله خزائن السموات والأرض ” ( 63/7 ) و” إن من شيء إلاّ عندنا خزائنه ” ( 15/21 ). أللهم تكفيني سنبلة واحدة من السنابل التي وعدت بها من ينفق في سبيلك ” مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسعٌ عليم ” ( 2/261 ).

    وابتهلت ثم ابتهلت، وجاء الابتهال نحيباً، مناجاة، ثم همساً متواصلاً خفيضاً وأدعية خاشعة، تطلب العون والرحمة والمغفرة. وعندما تأملت دعائي وجدته ملحّاً في طلب الدنيا، رغّاباً في وفاء الدين والتوسعة في الرزق وطلب المال والغنى، فلم أكفّ عن الابتهال والدعاء، وأخذت أعتذر عن الدنيا التي أحملها فوق ظهري فأنوء بها وتنوء بي، وسقطت منهك القوى، تسيل مدامعي، وأنا في حالة من الضعف والإعياء تتقطع لها نياط القلب !

    وانتظرت ثم انتظرت، عسى الله أن يأتي بالفرج ولكن عبثاً. وأخذت الشكوك تستيقظ في نفسي بعد أن كانت هاجعة مقموعة، ولا أخفي أنني عندما أخذت هذه الشكوك تتناوشني، كنت أشعر بشيء من وخز الضمير، بسبب البعد عن الله الذي نذرت له حياتي.

    ترى هل تخلى الله عني في أحلك ساعاتي ؟ لقد بذلت الكثير لقمع هذه الشكوك ابتغاء مرضاة الله، فما له سبحانه يخزيني ؟ ومع أني بدأت أفقد الأمل، ألقيت بنفسي بين يديه، وتوجهت إليه بهذا الدعاء الذي كنت اخشى أن يكون الأخير: ” أللهمّ ! أدركني أللهمّ ! لا أطيق فراقك. أللهمّ أخاف الانزلاق الذي لا ترضاه لي ولا أرضاه لنفسي. أللهمّ أنا على شفا جرفٍ هار، أللهمّ أنا على شفا حفرة من نار، فأنقذني منها يا عزيز يا جبار.

    وكم تجددت الدموع! وكم تجدد الدعاء والابتهال! بل لقد لاحظت بعد هذه الأدعية والابتهالات – ويا لهول ما لاحظت – أن الله يستجيب بالمقلوب. فلعله سبحانه لا يفهم العربية جيداً، فبأي لغة أتحدث معه ؟ هل هذا معقول ؟ لا أدري، مع أن لغة آدم هي العربية، ولغة أهل الجنّة هي العربية أيضاً. فلعل عربية آدم غير عربيتنا. أم لعله لا يسمعني ؟ مع أنّه سبحانه يسمع دبيب النملة السوداء على الصخرة الصمّاء في الليلة الظلماء.

    ومن يدري ؟ فقد يكون دعائي مجموعة من الأصوات الناشزة تؤذي أذنيه عزّ وجلّ ؟ وإلا فما معنى أنني كلما اقتربت منه كان يبتعد عنّي ؟ ألا يدلّ ذلك على أنّه لا يريد سماع صوتي ؟ أم إن الأمر لا يهمه أساساً، لأني لا أعدو أن أكون بعوضة في هذا الكون ولكني أعطيت لنفسي حجماً أكبر منّي ؟

    والغريب أن الفراق لم يشتدّ بيني وبينه إلاّ بعد قولي ” لا أطيق فراقك “، أم لعل ” لا ” النافية كانت تخرج من لساني مختنقة بالدموع فلم يسمعها ؟ هل يمكن أن تكون لكلمتي ” أطيق ” و ” فراق ” معنى آخر غير المعنى الذي لهما عندنا ؟ أم إنه سبحانه لا يحب الكلام المحدد والمحدود المعاني ؟! وقد يكون هذا ما يفسّر لنا أخيراً وجود آيات في القرآن غريبة عجيبة مشحونة بالكلام الفضفاض المتناقض، واللفظ المرصوف المقفى الذي لا معنى له، والذي استطاع مفسّرونا الثرثارون أن يكتشفوا له ألف معنى وألف حكمة وألف بلاغة وألف إعجاز، كما سنرى في حينه !

    ثالثاً: مرحلة الإعصار

    وما أنا حتى عصفت بي هدأة الذهول وتملكتني الحيرة. وما أنا حتّى هبّ في نفسي الإعصار. وتداعى في متناول الإعصار كل ما كان في نفسي قائماً ثابتاً. وبقيت مدة أعاني من أعقد أزمات الفكر وأشدّها وطأة، ذلك أن التشكك في الموروث الديني والثقافي خطوة جريئة لابدّ منها لبناء عقلية جديدة وفكر جديد. إذ الشكوك هي الطريق إلى الحقائق ” فمن لم يشك لم ينظر ومن لم ينظر لم يبصر ومن لم يبصر بقي في العمى والضلالة ” (الغزالي: ميزان العمل، ص 409 ).

    يا لخيبة أملي ! فإن جميع ما قدمت في حياتي من صلاة وعبادة وخشوع ونسك في سبيل الله وابتغاء مرضاته، .. كل ذلك لم يظفر من الله – إذا كان لهذه الكلمة من معنى – بأي لفتة أو مبالاة. فله سبحانه، على ما يبدو، هموم أخرى غير هموم هذه الحشرات البشرية التي تدب على الأرض. بل حتّى غير هموم عباده المخلصين الذين استثناهم إبليس من غوايته والوقوع في حبائله عندما قال مخاطباً الله في جلاله ” فبعزّتك لأغوينّهم أجمعين إلاّ عبادك المخلصين ” ( سورة ص 38/83 وسورة الحجر 15/40 ). أقول حتّى هؤلاء الذين كنت واحداً منهم ( وعلامة السجود لا تزال بارزة على وجهي لا تمحوها الأيام )، حتى هؤلاء الذين وعدهم الله بأنّهم ” لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون ” في ثلاث عشرة آية، لا يبدو أنه سبحانه يعبأ بهم أو أنه يقيم لهم وزناً. هذا إذا كان يحسّ بهم. يقول المفسّرون الثرثارون إن هذا الوعد ينسحب على الآخرة دون الدنيا لأن الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة ! وإذا صح ذلك فهل معناه أن يهملهم الله في الدنيا حتى يموتوا جوعاً وهو القائل ” وما من دابّة في الأرض إلاّ على الله رزقها ” ( 11/6 )، هل جزاء الإحسان إلاّ الإحسان ؟

    ومن ذلك الحين وأنا في دوّامة الشك، وبعد أن كنت أظنّ أن كل توفيق أصيبه في هذه الحياة هو نعمة من الله أنعمها عليّ تستوجب مني الشكر والحمد، أصبحت أنظر إلى هذا التوفيق على أنّه نتيجة سعيي الدائب وكدحي المستمر لبلوغ أمري والوصول على غايتي ليس لله أي فضلٌ فيه.

    ومعنى ذلك أنّي لم أعد أرى أي أثر لقوله تعالى ” قل ما يعبأ بكم ربّي لولا دعاؤكم ” (25/77)، فالظاهر أنّه سبحانه لا يعنى بالأرض ومن عليها. ولعله لم يسمع بها في هذا الحشد الهائل من العوالم الحجرية والسديمية التي يكتظ بها الفضاء، فله شواغل وهموم أخرى لا تسمو إليها مداركنا، ولا شأن لها بآلامنا وأوجاعنا. هي أعظم كثيراً من شجون الحاج سعيد خمخم وأبي قاسم الطنبوري وأم غنطوس والسيدة حليمة. فما له وهذه الضفادع والحشرات التي تفتأ تنقّ وتملأ الأرض صراخاً كأنها سيدة الكائنات وهذه عنها في شغلٍ شاغل ؟!

    ويح سخفي وغبائي ! يا لبلاهتي ! ترى كم كنت ساذجاً عندما سمحت للأساطير أن تأكل عمري وزهرة شبابي ! يا حسرتي على عمر قضيته مع حبيب لا يحفل بي، ولم يشعر يوماً بوجودي. تباً لي وتعساً ! كيف لم أكتشف ذلك وأرجع إلى رشدي إلاّ وأنا على أبواب أرذل العمر ! ماذا دهاني ؟! ماذا تبقى لي من العمر لأشعر بمتعة وجودي ؟! ليتني لم أعرف ذلك ! ويلٌ لمن عرف الحقيقة ! طوبى للبله فإن لهم ملكوت السموات !!

    والخلاصة، كم كنت بليد الحسّ عندما أخذت أفلسف المصيبة وأحاول كل يوم اكتشاف حكمة جديدة لها. واستهوتني هذه الفلسفة، وغرقت في التصوف حفاظاً على إيماني بربي. تخليت عن نفسي لأبقي على ربي، وأسكر بخمرة ربي، آه، ماذا دهاني من ربي، كم عانيت من ربي، يا حسرتي على عمر قضيته مع ربّي !!

    لقد كنت أتأسّى دائماً بالأنبياء والمرسلين والصالحين، وأقول لنفسي: إن المصيبة تعيد الإنسان إلى الله، فالمؤمن مبتلى. ثم أذكر قوله تعالى ” أحسب النّاس أن يتركوا أن يقولوا آمنّا وهم لا يفتنون ؟ ” ( 28/2 )، وقوله عزّ من قائل ” ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، وبشّر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنّا لله وإنّا إليه راجعون. أولئك عليهم صلواتٌ من ربّهم ورحمة وألئك هم المهتدون ” ( 2/ 155 – 157 ).

    بل لقد بلغ بي الترحيب بالمصيبة وشكر الله عليها مبلغ الصوفية، فكنت أذهب مذهبهم وأقول على طريقتهم بأن المصيبة معصية عجّلت عقوبتها في الدنيا حتّى نلقى الله في الآخرة وليس علينا شاهدٌ بذنب !! لقد نسيت، ولعلّي تناسيت، أن المصيبة إذا كانت تعيد الإنسان إلى الله أحياناً، فإنها في أحيان أخرى تبعده عنه أيضاً. المصيبة طريقٌ إلى الله، وهي أيضاً طريقٌ إلى الشيطان.

    لقد كنت دائماً أحمد الله على عافيتي و ” سلامتي ” من الأمراض، وأقول في نفسي: إذا كان سبحانه قد حرمني المال فقد أعطاني خيراً منه وهو الصحة والعافية، فالصحة لها، فما بالي نسيت هذا الثمن ؟ فهذا فلان الغني من مدينتنا قد ذهب إلى أوربا وأمريكا للاستشفاء، وأنا لا أملك أجرة الطريق إلى أي منهما، فما قولك بأجور الأطباء وأثمان الأدوية ونفقات المستشفى ؟

    اذكر يا بني ذلك الغني المصاب بالسكّري الذي يعيش على مقربة منك في نفس الحي، إنه يشتهي طبقا

  15. الكلب قبوط لاى سندمره

  16. محنتي مع القرآن ومع الله في القرآن ( 2 )

    قبل البدء أود الإشارة إلى أن نسخة الكتاب التي أمتلكها هي نسخة تجريبية بتنسيق PDF، لا يمكن إرسالها بالبريد، وتخيلوا أن حصارها قد امتد ثلاث سنوات ونيّف، لذا فقد صممت على إعادة طباعة النسخة بالكامل رغم الجهد الكبير الذي يستغرق ذلك العمل وذلك وفاء منّي للعلم والفكر، وكذلك لقرّاء الحوار المتمدن وكاتباته وكتّابه الأعزّاء.

    في هذا الجزء، يواصل أ.د. عباس عبد النور رحلة حياته من الإيمان العميق والتصوف الصادق المخلص الذي امتد معظم عمره واتى على زهرة شبابه، حتى تحين ساعة الامتحان حيث يكرم المرء أويهان، فيصاب بخيبة أمل فتراه يقول: ((ترى هل تخلى الله عني في أحلك ساعاتي ؟ لقد بذلت الكثير لقمع هذه الشكوك ابتغاء مرضاة الله، فما له سبحانه يخزيني ؟ ومع أني بدأت أفقد الأمل، ألقيت بنفسي بين يديه، وتوجهت إليه بهذا الدعاء الذي كنت اخشى أن يكون الأخير: ” أللهمّ ! أدركني أللهمّ ! لا أطيق فراقك. أللهمّ أخاف الانزلاق الذي لا ترضاه لي ولا أرضاه لنفسي. أللهمّ أنا على شفا جرفٍ هار، أللهمّ أنا على شفا حفرة من نار، فأنقذني منها يا عزيز يا جبار )) .. ثم يصحو مارد العقل العلمي في وجدانه وضميره، فينتفض قائلاً: ((ويح سخفي وغبائي ! يا لبلاهتي ! ترى كم كنت ساذجاً عندما سمحت للأساطير أن تأكل عمري وزهرة شبابي ! يا حسرتي على عمر قضيته مع حبيب لا يحفل بي، ولم يشعر يوماً بوجودي. تباً لي وتعساً ! كيف لم أكتشف ذلك وأرجع إلى رشدي إلاّ وأنا على أبواب أرذل العمر ! ماذا دهاني ؟! ماذا تبقى لي من العمر لأشعر بمتعة وجودي ؟! ليتني لم أعرف ذلك ! ويلٌ لمن عرف الحقيقة ! طوبى للبله فإن لهم ملكوت السموات !! )) .. لنتابع الفصل الأول كاملاً غير منقوص !

    تمنياتي

    زهير

    =========================

    الفصل الأول

    رحلتي من الإيمان إلى الشك

    أنا على كرسي الاعتراف، ومن جلس على هذا الكرسي، فليذكر ما له وما عليه، وقد التزمت بذلك حرفياً في هذا الكتاب. وفي هذا الفصل الذي أعلنت فيه رحلتي ” من الإيمان إلى الشك “، وذلك رداً على كتاب تهريجي موضوع للعامة ظنّ فيه صاحبه ( مصطفى محمود ) أنه بلغ فيه غاية المنى، فألقم به جميع الشكاكين والمتشككين من الخاصة، لا حجراً واحداً، بل كل أحجار الدنيا والعالمين، وأعني بذلك كتاب ” رحلتي من الشك إلى الإيمان “. فليهنأ بهذه الرحلة التي وضع بها الأمور في نصابها وأعاد الحقوق إلى أهلها !

    من واجبي وقبل كل شيء، أن أنبه القارئ إلى نشأتي وقاع تفكيري منذ راهقت البلوغ – بل قبل ذلك بزمان – حتى أناف السنّ على الثمانين، لأشركه في حيرتي ومعاناتي واضطرام نفسي.

    فقد نشأت نشأة المسلم المتحمس، وترعرعت في أعطاف الدين والهدى، وكان طموحي، بل أكبر أحلامي – التبشير بالإسلام في بلاد الهند، ولا أدري وأنا أفكر الآن في ذلك، لم اخترت الهند دون غيرها للحنيفية البيضاء ! فأنا غارقٌ في الدين من مفرق رأسي إلى أخمص قدمي، فكنت منقطعاً للصلاة والعبادة، وحضور حلقات الذكر، وكنت لا أغادر مجلس علمٍ أو وعظٍ في أحد المساجد، إلا لأحضر مجلساً آخر، لأجمع العلم من أطرافه، والدين من مظانّه، وأكون القدوة والأسوة والمثل.

    بل لقد ابتليت بعد وفاة والدي بأن انضم إلى هيئة علماء المدينة، حفاظاً على العلم ” الشريف ” الذي ورثته كابر عن كابر، وإشفاقاً عليه من أن يندثر في أسرتي التي ظلّت راعية له طوال خمسة قرون على الأقل. وقد قمت بنصيبي الكامل في الوعظ والإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا سيما أيام الجمعة، وسائر المواسم الدينية المعروفة، بل في بعض المناسبات غير الدينية أيضاً.

    وبيّ انتهى السلف ” الصالح ” في الأسرة، فأنا آخر العنقود من خدّام العلم ” الشريف “، والثمرة الأخيرة من الدوحة التي طالما أمدّت دمنهور بالعلماء والفقهاء والخطباء والقضاة والأئمة والمؤلفين في الأوراد والأذكار وعلوم الدين المختلفة. ولا يبدو أن أحداً من أسرتي اليوم يتطلع إلى وصل ما انقطع بي، فقد أصبح الدين بضاعة كاسدة في هذه الأيام والعياذ بالله تعالى !

    وثالثة الأثافي التحاقي بالأزهر ” الأنور “، وتلقي العلم ” الشريف ” فيه، وكم طاردوني هناك وألحّوا عليّ بوجوب وضع العمامة ولبس القفطان ! ولكن الله سلّم، فحسبي ما عانيت منهما، تزينهما لحية كثّة ووجه مهيب، ولا زلت أحتفظ بذكريات ” طيبة ” لشيوخي وزملائي القدامى من ” الزهر الأزاهير ” رضوان الله عليهم ونفّعنا ببركاتهم، فهم الذخر والذخيرة والمؤنة والخميرة !

    والحق، لقد أصبت بخيبة أمل عندما دخلت الأزهر، ولذلك غادرته في السنة الثالثة، أي قبل التخرج بعام واحد، وأنا غير آسف، وقد نصحني الكثيرون حينئذٍ بأن أكمل دراستي الدرامية المشؤومة لنيل شهادة المماحكات الفارغة والتلاعب بالألفاظ والمعاني، وكان يمكنني بهذه الشهادة دخول السنة الثانية بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول، وكان ذلك في أوائل الأربعينات على عهد الشيخ المراغي.

    لقد ضقت ذرعاً بدراستهم حتى لم أعد أحتمل المزيد. لقد أضعت ثلاثة أعوام من عمري ذهبت هدراً، فلماذا أضيف عاماً رابعاً، لا لشيء إلا للحصول على ورقة أنيقة الطباعة زاهية الألوان، جميلة المظهر، تافهة المخبر، عديمة الجوهر، هزيلة المحتوى، تذكرني في كل لحظة بالأيام الضائعة والأوقات الفارغة والآمال الخائبة والمعاناة القاتلة.

    وكان طلاقٌ بالثلاث وكان فراق. هذا مع إني كنت ملتحقاً بأرقى كلية من كليات الأزهر آنذاك وأقربها إلى نفسي، وهي كلية أصول الدين بشبرا .. ولكن الأزهر هو الأزهر !

    أولاً: مرحلة الإيمان

    في وجهي سيماء تدلّ عليّ لا يخطئها البصر. هي أول ما يبدو مني ويبرز من ملامحي. تلك التي أشار لها القرآن الكريم: ” سيماهم في وجوههم من أثر السجود ” ( 48/29 ). إنها تلخّص دهراً من الصلاة والتهجّد والدموع والخشوع والعبادة والتوبة والاستغفار والمجاهدة ومحاسبة النفس.

    لقد كانت الصلاة قرّة عيني وغاية مهجتي. فيها جلاء قلبي وصفاء روحي وسكينة نفسي. لقد كان قلبي معلقاً بالله لا يغفو عنه طرفة عين ولا يطيق فراقه، وكان مهيئاً دائماً لاستقبال فيضه النوراني.

    وبالفعل، فقد كانت تحملني ريح التصوف إلى ذراه العالية، أستشرف منها عالم الملكوت، أويقات أغتصبها من بطن الزمن، يكتنفني فيها إحساسٌ غامر لا يصفه بيان، وينعقد دونه اللسان وتتمرد فيه الكلمات على الشفاه ولا تدخل في طاعة السطور !

    ولا غرو، فلربما كان من شأن ذلك الجمال الروحي الخالص، أن يورثني عقلة في اللسان يقف أمامها نطس الأطباء مكتوفي الأيدي، بل هذا ما هو حاصل بالفعل، فهناك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. إن كثيراً من الأمور التي تخطر على قلوب البشر يتعذر وصفها، فكيف بأمر لا سبيل على خطوره على القلب، ولا هو من عالمه ولا من طوره !

    وزيدة القول، إن تلك الحالات التي كانت تتجلّى لي في لحظات الإشراق هي مما لم يقم ببال أحد، فمن رام التعبير عنها فقد رام مستحيلاً !

    إن ذلك كله كان يستغرق مني لحظات قليلة لا ألبث بعدها أن تعود إليّ حواسي، فأصحو من حالي تلك التي تكون في العادة شبيهة بالغشي، وهكذا تزل قدمي عن ذلك المقام، ويلوح لي العالم المحسوس كأنه مرآةٌ صدئة قد ران عليها الخبث. لقد اخترق قلبي هذا الجمال الإلهي الذي كنت أشاهده وأعادني إلى الفطرة التي خلقني الله عليها، وولج بي إلى الطبيعة البكر من خلال أفق مفتوح على عالم التصوف وعالم الروح، بكل ما فيه من خشوع ودموع وتبتل واستغراق القلب بذكر الله وإفراغه من كل ما سواه.

    وهكذا بدأت رحلتي الصوفية، وأقبلت بهمّتي ومبلغ طاقتي على طريق الخيار الصعب، فمن أراد الآخرة وسعى إليها سعيها فليسلك طريق التصوف، فالصوفية كما يقول الغزالي ( المنقذ من الضلال والموصل على ذي العزّة والجلال – ص 103 ) ” همّ السالكين لطريق الله خاصة “. لقد كانت روحي بحب الله سكرى، وبتنسم نفحاته نشوى، وكل غايتي إنما كانت أن يتحقق وجودي في الوصول إلى الله وأن أحظى بلقائه. فلا حق ولا خير ولا جمال كلا، ولا محبوب إلاّ الله، وكل ما عداه سبحانه أثرٌ من آثاره، وعطرٌ من طيب وجوده، وذرّة من خزائن قدرته، ولمعة من أنوار حضرته.

    كنت متيماً بحب الله متحرقاً إلى وصاله، أتلظّى بنار الشوق إليه وأوار العشق لذاته، أراه في كل شيء، وأسمع صوته يناديني في كل مكان ! لم أترك باباً للتقرب إليه إلا طرقته، ولا عملاً يرضى به عني إلّا فعلته، بأقصى ما يتطلب مني ذلك من الخشية والتقوى والإخلاص في العمل بما يليق به سبحانه وتعالى.

    وكنت دائم الذكر له، مقبلاً عليه، متضرعاً إليه، شاكراً لأنعمه الظاهرة والباطنة، وكنت كثير التوبة والاستغفار والبكاء والندم على ما فرّطت في جنب الله. لقد كنت مراقباً له في جميع حركاتي وسكناتي، بل وجمحات قلبي وخلجات نفسي. فهو مطّلع عليّ يعلم سرّي وعلني، فإذا لم أكن أراه فهو يراني ” يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ” ( 40/19 )، وكنت أحمده في السرّاء والضرّاء وحين البأس، وكنت أصبر وأصابر، فإذا أصابتني مصيبة قلت ” إنّا لله وإنّا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربّهم وأولئك هم المهتدون ” ( 2/157 ).

    وكان الليل فرصتي الذهبية للدعاء والبكاء، والذكر والفكر والمناجاة والعبادة، والتوجه إلى الله تضرّعاً وخيفة، ولزجر النفس الأمّارة بالسوء. بل لقد ذهب بي الورع والتشددّ والوسواس إلى حدّ أني لم أكن أسأل الله شيئاً إلاّ بعد محاسبة عسيرة للنفس على ما قدّمت وأخّرت، فقد كنت أستحي أن ألقى الله وعليّ شاهدٌ بذنب.

    وبينما كان الناس يكتفون من الصلاة بالفرائض، وقد تزيد عليها قلّة منهم بعض السنن، فقد كانت كل صلاة تتطلب مني أكثر من ساعة، لما أضيف إليها من أذكار وأوراد وأدعية ونوافل، فكنت أصلي مثلاً صلاة الشكر ( ركعتين )، وصلاة الحفظ من كل سوء ( ركعتين )، وصلاة التوفيق ( ركعتين ).

    وكنت مغرماً بصلاة السّحر قبل صلاة الفجر لأنه وقت استجابة الدعاء، فقد جاء في الحديث الشريف في فضيلة صلاة السّحَر ” إن الله يهبط على سماء الدنيا وقت السّحر فيقول: هل من داعٍ فأجيبه ؟ هل من مستغفرٍ فأغفر له ؟ حتى يطلع الفجر “.

    وكنت لا أسأل أحداً إلاّ الله عملاً بالحديث الشريف ” يا بني إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا عليك ليضرّوك فلن يضرّوك بشي لم يكتبه الله لك. ولو اجتمعوا على أن ينفعوك فلن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك. جفّت الأقلام وطويت الصحف “.

    وكنت لا أقبل على طعام أو شراب أو حركة، ولا أذهب إلى عيادة طبيب أو زيارة صديق، ولا أدخل بيتاً ولا أخرج منه، ولا أقابل مسؤولاً ولا ألقي كلمة أو مداخلة .. إلاّ بعد ذكر اسم الله واستخارته والتوكل عليه وطلب التوفيق منه.

    وكان من عادتي إذا رأيت مريضاً أو ذا عاهة، أحمد الله على سلامتي وأدعو له بالعون والشفاء. وكنت على يقين وثقة تامّة بأن من أحب الله وأخلص له فقد ملك العالم، بل لقد اعترتني لحظات أحسست فيها بحضوري في الله وحضور الله فيّ وأنّي جزءٌ منه وهو جزءٌ مني، فمن أقوى وأعزّ مني في هذا العالم ؟ وذكرت الحديث القدسي الشريف ” ما زال العبد يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته، كنت يده التي يبطش بها، وعينه التي يبصر بها، وسمعه الذي يسمع به “.

    وكنت إذا أقدمت على عمل ونجحت فيه أعزو الفضل في ذلك إلى الله، وإذا فشلت فلا ألوم إلاّ نفسي وأسأله تعالى التوفيق. وكنت في الحالين أحمده وأشكره وأعوذ به من شرّ نفسي وسيئات أعمالي، وفي هذه الحال كنت أتذكر قوله تعالى ” وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شرّ لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ” ( 2/116)، فهو وحده سبحانه علاّم الغيوب. وهكذا تطمئن نفسي بذكر الله ” ألا بذكر الله تطمئن القلوب ” ( 13/28 )، متأسياً في ذلك بالأنبياء والصالحين، وحبيبه المصطفى سيّد المرسلين، وخاتم النبيين، وخير الناس أجمعين.

    ثانياً: مرحلة الامتحان

    والآن جاء الامتحان حيث يكرم المرء أو يهان. هو ذا الامتحان الصعب الذي تنكشف فيه حقيقة الربّ والوعود التي طالما أغدقها علينا الربّ. لقد اقتربت ساعة الحسم، فإما أن أستمر في الرجوع إلى الله والاتكال عليه، وشحذ الهمّة للوصول إليه، وتوزيع أوقاتي على وظائف الخير والعبادة، من تلاوة القرآن ومجالسة أرباب القلوب وإدامة الصيام والقيام وسائر الفروض والعبادات، وإما أن أقطع الحبل بيني وبينه !

    فقد وقعت في أزمات وشدائد، وركبتني ديون وهموم وغموم لا مخرج منها. لقد أقفلت الدنيا في وجهي وانسدّ أمامي كل أفق. فلم أترك باباً إلاّ قرعته، ولا طريقاً إلاّ سلكته، لقد ” أزفت الآزفة ليس لها من دون الله كاشفة ” ( 53 / 57 – 58 )، ثما لما أحسست بعجزي، وسقط بالكلية اختياري، تذكرت قوله تعالى ” أم من يجيب المضطر إذا دعاه ؟ ” ( 27 /62 ). فقلت:

    اللهمّ إنّي ألجأ إليك لجوء المضطر الذي لا حيلة له فأجبني. اللهمّ ارحم ضعفي، وفرّج كربي، ويسّر أمري. اللهم لا تدع لي ذنباً إلاّ غفرته، ولا كرباً إلاّ فرّجته، ولا حاجة إلاّ قضيتها. يا هو ياهو، يا ذا الجود والإحسان، ويا ذا الجلال والإكرام، أنت ظهر اللاجئين، وأمان الجائعين، وغيث المستغيثين، ومجير المستجيرين، ومجيب دعوة المضطرين ! لقد ذهب الناس إلى مضاجعهم وهجعوا في بيوتهم، وخلا كل حبيب بحبيبه، وأنت حبيبي يا أحبّ محبوب. أنت أملي وغاية مطلبي. يا من قلت ووعدك الحق ” ادعوني استجب لكم ” ( 40/60 ). استجب دعائي، فقد جئتك مسبحاً متبتلاً، مقرّاً بعجزي، معترفاً بذنبي. أقف ببابك مستغيثاً مسترحماً، فارحمني يا أرحم الراحمين.

    وهكذا أفرغت كل ما في جعبتي من أدعية وتضرّع واستغاثة – أنا بها خبيرٌ بصير – كفيلة وحدها بتذليل جميع العقبات التي تقف في وجهي، بل بزلزلة الجبال من حولي، فكيف إذا أضفت إليها صدق النيّة وصالح العمل والإخلاص لله وحده ؟

    يا إلهي ! استمع إليّ من قلب الجوع. من قلب الحاجة. من قلب الحرمان. من قلب المعاناة أناديك، لقد تراكمت ديوني وعظمت كثيراً. إلهي ؟ لقد ادخرتك لهذه الساعات السوداء، كيف أقضي هذه الديون ؟ هل أبيع بيتي وهو كل ما أملك ؟ أين عساي أسكن أنا وعائلتي إذن ؟ يا من عندك خزائن السموات والأرض ” ولله خزائن السموات والأرض ” ( 63/7 ) و” إن من شيء إلاّ عندنا خزائنه ” ( 15/21 ). أللهم تكفيني سنبلة واحدة من السنابل التي وعدت بها من ينفق في سبيلك ” مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسعٌ عليم ” ( 2/261 ).

    وابتهلت ثم ابتهلت، وجاء الابتهال نحيباً، مناجاة، ثم همساً متواصلاً خفيضاً وأدعية خاشعة، تطلب العون والرحمة والمغفرة. وعندما تأملت دعائي وجدته ملحّاً في طلب الدنيا، رغّاباً في وفاء الدين والتوسعة في الرزق وطلب المال والغنى، فلم أكفّ عن الابتهال والدعاء، وأخذت أعتذر عن الدنيا التي أحملها فوق ظهري فأنوء بها وتنوء بي، وسقطت منهك القوى، تسيل مدامعي، وأنا في حالة من الضعف والإعياء تتقطع لها نياط القلب !

    وانتظرت ثم انتظرت، عسى الله أن يأتي بالفرج ولكن عبثاً. وأخذت الشكوك تستيقظ في نفسي بعد أن كانت هاجعة مقموعة، ولا أخفي أنني عندما أخذت هذه الشكوك تتناوشني، كنت أشعر بشيء من وخز الضمير، بسبب البعد عن الله الذي نذرت له حياتي.

    ترى هل تخلى الله عني في أحلك ساعاتي ؟ لقد بذلت الكثير لقمع هذه الشكوك ابتغاء مرضاة الله، فما له سبحانه يخزيني ؟ ومع أني بدأت أفقد الأمل، ألقيت بنفسي بين يديه، وتوجهت إليه بهذا الدعاء الذي كنت اخشى أن يكون الأخير: ” أللهمّ ! أدركني أللهمّ ! لا أطيق فراقك. أللهمّ أخاف الانزلاق الذي لا ترضاه لي ولا أرضاه لنفسي. أللهمّ أنا على شفا جرفٍ هار، أللهمّ أنا على شفا حفرة من نار، فأنقذني منها يا عزيز يا جبار.

    وكم تجددت الدموع! وكم تجدد الدعاء والابتهال! بل لقد لاحظت بعد هذه الأدعية والابتهالات – ويا لهول ما لاحظت – أن الله يستجيب بالمقلوب. فلعله سبحانه لا يفهم العربية جيداً، فبأي لغة أتحدث معه ؟ هل هذا معقول ؟ لا أدري، مع أن لغة آدم هي العربية، ولغة أهل الجنّة هي العربية أيضاً. فلعل عربية آدم غير عربيتنا. أم لعله لا يسمعني ؟ مع أنّه سبحانه يسمع دبيب النملة السوداء على الصخرة الصمّاء في الليلة الظلماء.

    ومن يدري ؟ فقد يكون دعائي مجموعة من الأصوات الناشزة تؤذي أذنيه عزّ وجلّ ؟ وإلا فما معنى أنني كلما اقتربت منه كان يبتعد عنّي ؟ ألا يدلّ ذلك على أنّه لا يريد سماع صوتي ؟ أم إن الأمر لا يهمه أساساً، لأني لا أعدو أن أكون بعوضة في هذا الكون ولكني أعطيت لنفسي حجماً أكبر منّي ؟

    والغريب أن الفراق لم يشتدّ بيني وبينه إلاّ بعد قولي ” لا أطيق فراقك “، أم لعل ” لا ” النافية كانت تخرج من لساني مختنقة بالدموع فلم يسمعها ؟ هل يمكن أن تكون لكلمتي ” أطيق ” و ” فراق ” معنى آخر غير المعنى الذي لهما عندنا ؟ أم إنه سبحانه لا يحب الكلام المحدد والمحدود المعاني ؟! وقد يكون هذا ما يفسّر لنا أخيراً وجود آيات في القرآن غريبة عجيبة مشحونة بالكلام الفضفاض المتناقض، واللفظ المرصوف المقفى الذي لا معنى له، والذي استطاع مفسّرونا الثرثارون أن يكتشفوا له ألف معنى وألف حكمة وألف بلاغة وألف إعجاز، كما سنرى في حينه !

    ثالثاً: مرحلة الإعصار

    وما أنا حتى عصفت بي هدأة الذهول وتملكتني الحيرة. وما أنا حتّى هبّ في نفسي الإعصار. وتداعى في متناول الإعصار كل ما كان في نفسي قائماً ثابتاً. وبقيت مدة أعاني من أعقد أزمات الفكر وأشدّها وطأة، ذلك أن التشكك في الموروث الديني والثقافي خطوة جريئة لابدّ منها لبناء عقلية جديدة وفكر جديد. إذ الشكوك هي الطريق إلى الحقائق ” فمن لم يشك لم ينظر ومن لم ينظر لم يبصر ومن لم يبصر بقي في العمى والضلالة ” (الغزالي: ميزان العمل، ص 409 ).

    يا لخيبة أملي ! فإن جميع ما قدمت في حياتي من صلاة وعبادة وخشوع ونسك في سبيل الله وابتغاء مرضاته، .. كل ذلك لم يظفر من الله – إذا كان لهذه الكلمة من معنى – بأي لفتة أو مبالاة. فله سبحانه، على ما يبدو، هموم أخرى غير هموم هذه الحشرات البشرية التي تدب على الأرض. بل حتّى غير هموم عباده المخلصين الذين استثناهم إبليس من غوايته والوقوع في حبائله عندما قال مخاطباً الله في جلاله ” فبعزّتك لأغوينّهم أجمعين إلاّ عبادك المخلصين ” ( سورة ص 38/83 وسورة الحجر 15/40 ). أقول حتّى هؤلاء الذين كنت واحداً منهم ( وعلامة السجود لا تزال بارزة على وجهي لا تمحوها الأيام )، حتى هؤلاء الذين وعدهم الله بأنّهم ” لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون ” في ثلاث عشرة آية، لا يبدو أنه سبحانه يعبأ بهم أو أنه يقيم لهم وزناً. هذا إذا كان يحسّ بهم. يقول المفسّرون الثرثارون إن هذا الوعد ينسحب على الآخرة دون الدنيا لأن الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة ! وإذا صح ذلك فهل معناه أن يهملهم الله في الدنيا حتى يموتوا جوعاً وهو القائل ” وما من دابّة في الأرض إلاّ على الله رزقها ” ( 11/6 )، هل جزاء الإحسان إلاّ الإحسان ؟

    ومن ذلك الحين وأنا في دوّامة الشك، وبعد أن كنت أظنّ أن كل توفيق أصيبه في هذه الحياة هو نعمة من الله أنعمها عليّ تستوجب مني الشكر والحمد، أصبحت أنظر إلى هذا التوفيق على أنّه نتيجة سعيي الدائب وكدحي المستمر لبلوغ أمري والوصول على غايتي ليس لله أي فضلٌ فيه.

    ومعنى ذلك أنّي لم أعد أرى أي أثر لقوله تعالى ” قل ما يعبأ بكم ربّي لولا دعاؤكم ” (25/77)، فالظاهر أنّه سبحانه لا يعنى بالأرض ومن عليها. ولعله لم يسمع بها في هذا الحشد الهائل من العوالم الحجرية والسديمية التي يكتظ بها الفضاء، فله شواغل وهموم أخرى لا تسمو إليها مداركنا، ولا شأن لها بآلامنا وأوجاعنا. هي أعظم كثيراً من شجون الحاج سعيد خمخم وأبي قاسم الطنبوري وأم غنطوس والسيدة حليمة. فما له وهذه الضفادع والحشرات التي تفتأ تنقّ وتملأ الأرض صراخاً كأنها سيدة الكائنات وهذه عنها في شغلٍ شاغل ؟!

    ويح سخفي وغبائي ! يا لبلاهتي ! ترى كم كنت ساذجاً عندما سمحت للأساطير أن تأكل عمري وزهرة شبابي ! يا حسرتي على عمر قضيته مع حبيب لا يحفل بي، ولم يشعر يوماً بوجودي. تباً لي وتعساً ! كيف لم أكتشف ذلك وأرجع إلى رشدي إلاّ وأنا على أبواب أرذل العمر ! ماذا دهاني ؟! ماذا تبقى لي من العمر لأشعر بمتعة وجودي ؟! ليتني لم أعرف ذلك ! ويلٌ لمن عرف الحقيقة ! طوبى للبله فإن لهم ملكوت السموات !!

    والخلاصة، كم كنت بليد الحسّ عندما أخذت أفلسف المصيبة وأحاول كل يوم اكتشاف حكمة جديدة لها. واستهوتني هذه الفلسفة، وغرقت في التصوف حفاظاً على إيماني بربي. تخليت عن نفسي لأبقي على ربي، وأسكر بخمرة ربي، آه، ماذا دهاني من ربي، كم عانيت من ربي، يا حسرتي على عمر قضيته مع ربّي !!

    لقد كنت أتأسّى دائماً بالأنبياء والمرسلين والصالحين، وأقول لنفسي: إن المصيبة تعيد الإنسان إلى الله، فالمؤمن مبتلى. ثم أذكر قوله تعالى ” أحسب النّاس أن يتركوا أن يقولوا آمنّا وهم لا يفتنون ؟ ” ( 28/2 )، وقوله عزّ من قائل ” ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، وبشّر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنّا لله وإنّا إليه راجعون. أولئك عليهم صلواتٌ من ربّهم ورحمة وألئك هم المهتدون ” ( 2/ 155 – 157 ).

    بل لقد بلغ بي الترحيب بالمصيبة وشكر الله عليها مبلغ الصوفية، فكنت أذهب مذهبهم وأقول على طريقتهم بأن المصيبة معصية عجّلت عقوبتها في الدنيا حتّى نلقى الله في الآخرة وليس علينا شاهدٌ بذنب !! لقد نسيت، ولعلّي تناسيت، أن المصيبة إذا كانت تعيد الإنسان إلى الله أحياناً، فإنها في أحيان أخرى تبعده عنه أيضاً. المصيبة طريقٌ إلى الله، وهي أيضاً طريقٌ إلى الشيطان.

    لقد كنت دائماً أحمد الله على عافيتي و ” سلامتي ” من الأمراض، وأقول في نفسي: إذا كان سبحانه قد حرمني المال فقد أعطاني خيراً منه وهو الصحة والعافية، فالصحة لها، فما بالي نسيت هذا الثمن ؟ فهذا فلان الغني من مدينتنا قد ذهب إلى أوربا وأمريكا للاستشفاء، وأنا لا أملك أجرة الطريق إلى أي منهما، فما قولك بأجور الأطباء وأثمان الأدوية ونفقات المستشفى ؟

    اذكر يا بني ذلك الغني المصاب بالسكّري الذي يعيش على مقربة منك في نفس الحي، إنه يشتهي طبقا

  17. هكذا هو القلم

    :)

    تحية عطرة لكـ ولفكركـ ومبدئكـ وقضيتكـ

    تقبل الله صيامنا وصيامكم

    وعساكـ من عوادهـ

  18. فى خلال الثلاثين عاما الماضية تعرضت مصر الى حملة منظمة لنشر ثقافة الهزيمة - The Culture of Defeat - بين المصريين, فظهرت أمراض اجتماعية خطيرة عانى ومازال يعانى منها خمسة وتسعون بالمئة من هذا الشعب الكادح . فلقد تحولت مصر تدريجيا الى مجتمع الخمسة بالمئه وعدنا بخطى ثابته الى عصر ماقبل الثورة .. بل أسوء بكثير من مرحلة الاقطاع.
    هذه دراسة لمشاكل مصرالرئيسية:

    1- الانفجار السكانى .. وكيف أنها خدعة فيقولون أننا نتكاثر ولايوجد حل وأنها مشكلة مستعصية عن الحل.
    2- مشكلة الدخل القومى .. وكيف يسرقونه ويدعون أن هناك عجزا ولاأمل من خروجنا من مشكلة الديون .
    3- مشكلة تعمير مصر والتى يعيش سكانها على 4% من مساحتها.
    4 - العدالة الاجتماعية .. وأطفال الشوارع والذين يملكون كل شىء .
    5 - ضرورة الاتحاد مع السودان لتوفير الغذاء وحماية الأمن القومى المصرى.
    6 -الطاقة المتجددة كبديل للطاقة النووية. فالطاقة النووية لها محاذيرها وهذا ماسوف نشرحه بالتفصيل.

    ارجو من كل من يقراء هذا ان يزور ( مقالات ثقافة الهزيمة) فى هذا الرابط:

    http://www.ouregypt.us/culture/main.html



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر



f_alnashwan@hotmail.com